الغزالي
66
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
حكمة : قال سقراط : العالم مركّب من العدل ، فإذا جاء الجور لا يثبت ولا يستقر . حكمة أخرى : سئل بزرجمهر فقيل : بأي شيء يظهر عزّ الملك ؟ فقال : بثلاثة أشياء : حفظ الأطراف مع دفع العدو عن الحوزة ، وإكرام العلماء وإعزازهم ، وحب أهل الفضل ؛ لأنه كلّما جار السلطان خاف أهل الأطراف ، وإن كانت نعمهم كثيرة فإنها مع الخوف لا تنساغ ، وإن كانت النعم قليلة انساغت مع الأمن كما جاء في الحكاية : حكاية : يقال إنه انقطع رجل من قافلة الحجّ وضلّ الطريق ووقع في الوجل ، فجعل يسير إلى أن وصل إلى خيمة ، فرأى امرأة عجوزا ورأى على باب الخيمة كلبا نائما ، فسلم الحاج على العجوز وطلب منها طعاما ، فقالت العجوز : امض إلى ذلك الوادي واصطد من الحيات بقدر كفايتك لأشوي لك منها وأطعمك . فقال الرجل : أنا لا أجسر أن أصطاد الحيات . فقالت العجوز : أنا أتصيّد معك . فلمّا مضت وإيّاه وتبعهما الكلب فأخذا من الحيات بقدر كفايتهما ، فأتت العجوز وجعلت تشوي له الحيات ، فلم ير الحاج من الأكل بدا ، وخاف أن يهلك من الجوع والهزال ، فأكل ؛ ثم إنه عطش وطلب منها الماء ليشرب ، فقالت له : دونك والعين ، فاشرب ! فمضى إلى العين ، فوجد ماء مالحا مرّا ، ولم يجد من شربه بدّا ، فشرب وعاد إلى العجوز وقال : أعجب منك أيّتها العجوز ، ومن مقامك في هذا الموضع ! فقالت : كيف تكون بلادكم ؟ فقال : يكون في بلادنا الدور الرحيبة الواسعة والفواكه اللذيذة اليانعة ، والمياه العذبة ، والأطعمة الطيبة ، واللحوم السمينة ، والغنم الكثيرة ، والعيون الغزيرة . فقالت العجوز : قد سمعت هذا كله ، فقل لي هل تكونون تحت يد سلطان يجور عليكم ، وإذا كان لكم ذنب أخذ أموالكم واستأصل أحوالكم وأخرجكم عن مسرتكم ؟ فقال : قد يكون ذلك . فقالت : إذا يعود ذلك الطعام اللطيف والعيش الظريف والنعم اللذيذة مع الجور والظلم سمّا ناقعا ، وتعود أطعمتنا مع الأمن ترياقا نافعا ؛ أو ما سمعت أن أجلّ النعم بعد نعمة الإسلام الصحة والأمن ؟ والأمن إنّما يكون من سياسة السلطان ، فيجب على السلطان أن يعمل بالسياسة ، وأن يكون مع السياسة عادلا ؛ لأن السلطان خليفة اللّه ، ويجب أن تكون هيبته بحيث إذا رأته الرعية خافوا ولو كانوا بعيدا . وسلطان هذا الزمان ينبغي أن يكون له أوفى سياسة وأتمّ هيبة ، لأن أناس هذا الزمان ليسوا كالمتقدّمين ، فإن زماننا هذا زمان ذوي الوقاحة والسفهاء ، وأهل القسوة